المنطقة الشرقية
والشمالية الشرقية من سورية
(محافظات الرقة ودير الزور والحسكة)تشمل المنطقة الشرقية والشمالية الشرقية من سورية محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، بمساحة تبلغ نحو ثلث مساحة سورية، ممتدة على أراضي الجزيرة السورية وجزءاً من البادية الشامية في محافظتي الرقة ودير الزور، ممتدة تلك المنطقة من الحدود التركية شمالاً والحدود العراقية شرقاً وحتى حدود محافظة حلب من الغرب ومحافظتي حماه وحمص من الجنوب الغربي. وهي من المحافظات القليلة الأمطار في سورية، حيث أن نحو ثلثي مساحة تلك المحافظات مجتمعة أمطارها دون (250مم) سنوياً. وهي الأكثر تطرفاً في درجات حرارتها؛ فصيفها حار تصل الحرارة العظمى المطلقة فيه إلى أكثر من (45ْم) في بعض السنوات، وشتاءها مائل للبرودة، تنخفض الحرارة الصغرى المطلقة إلى ما دون التجمد. والأرض سهلية عموماً مع بعض العوارض الجبلية التي تنتصب فوقها (امتداد جبل سنجار، جبل عبد العزيز وطوال العبا، وجبل قره شوك). ويشقها نهر الفرات ورافديه الخابور والبليخ. والفرات ورافديه عصب الحياة لهذه المنطقة قديماً وحديثاً، فعلى ضفاف الفرات ورافديه ازدهرت حضارات وقامت مدن ما تزال أطلالها وبقاياها شاهدة على تاريخ هذه المنطقة العريق الموغل في القدم.
وتمثل هذه المنطقة مجالاً واسعاً للسياحة الثقافية، والتاريخية والعلمية.
أولاً- ففي محافظة الرقة العديد من الأوابد التاريخية والمعالم الأثرية التي تستقطب أعداداً كبيرة من السياح الأجانب والعرب والسوريين، نذكر منها:
1- مدينة الرصافة:
المدينة التي جعل منها الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك (ثالث خلفاء بني أمية) عاصمة ثانية لخلافته بعد دمشق لإقامته فيها عدة شهور من كل سنة، ولذا باتت تعرف برصافة هشام التي ازدهرت في عهده، وأشاد خارج سورها قصرين جميلين وعدة بيوت، أتى عليها العباسيون عند اجتياحهم للمدينة.
ولكن المدينة الموجودة داخل السور تعود إلى العصر البيزنطي، حتى كانت مركز أسقفية في عام (432م). وتم إحاطتها بسور ضخم في عهد الامبراطور جوستنيان الأول (527-565م) بطول نحو (560م) وعرض نحو (430م) بمساحة للمدينة داخل السور نحو (23) هكتاراً.
وما تزال العديد من الأبنية شاهدة على قدمها وتاريخها، نذكر منها:
الكاتدرائية الكبرى الواقعة في الجزء الجنوبي الشرقي منها، وهي أجمل الأبنية، وقد استخدم قسمها الشمالي كجامع في القرن الثالث عشر الميلادي. والكنيسة الكبرى (كنيسة الشهداء) الواقعة جنوبي الباب الشمالي للمدينة بنحو 100م. ومبنى المارتيريوم (مبنى الشهيد) بالقرب من الباب الشمالي. وكنائس أخرى، ومبان سكنية، وخزانات مياه ومستودعات.
2- الرافقة والرقة:
الرقة مدينة قديمة ازدهرت في عهد اليونان والرومان والبيزنطين وفتحها العرب المسلمون سنة (17هـ). ولكن لم يبق منها شيئاً من تلك العهود.
غير أن المدينة التاريخية التي ما تزال أطلالها وبقاياها ماثلة للعيان حتى يومنا الحالي بأبهى صورة لبعض ما تبقى منها، هي مدينة الرافقة المجاورة للرقة والتي هي حالياً جزءاً من المدينة الكبرى. والذي بنى الرافقة هو الخليفة العباسي المنصور عام 772م (155هـ). ومن أهم معالم الرافقة الماثلة للعيان الباقية بعد التدمير المغولي في سنة (1371م) وتوالي الأيام نذكر: سور المدينة المتخذ شكل نعل الفرس الذي ما يزال نصفه الشرقي قائما حتى الآن من باب بغداد حتى الباب الشمالي. كما يبدو باب بغداد بأجلى صورة حتى اليوم. وفي داخل السور ما يزال يوجد قصر البنات الشهير، ومسجد الرافقة الذي أعيد ترميمه حديثاً.
ومدينة الرقة الحالية يعود بداية إعمارها إلى منتصف القرن التاسع عشر الميلادي. وهي تبعد عن دمشق شمالاً شرقاً (375كم طريق سلمية).
3- قلعة جعبر:
قلعة قديمة، يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام. اسمها القديم قلعة دوسر نسبة إلى غلام النعمـان بن المنذر ملـك الحيرة لما جعله على أبواب الشمال، حيث يقول البعض بأنه بانيها. عرفت بقلعة جعبر في عهد السلاجقة عندما تملكها الأمير جعبر بن مالك من عشيرة قشير العربية المتوفي سنة (470هـ). تقع شمال غرب مدينة الثورة بنحو (10كم) مشرفة على بحيرة الأسد من الشمال. وينتصب فوق القلعة منارة عالية مستديرة الشكل.
4- بالإضافة إلى العديد من المواقع التاريخية (موقع صفين، وموقع النخيلة على الجانب الأيمن من الفرات، وموقع البيعة، وموقع هرقلة على الجانب الأيسر من الفرات) والتلال الأثرية والخرائب القديمة.
5- ومن المعالم الأخرى التي تشكل مقصداً للسائحين والمتنزهين، نذكر: عين عروس بالقرب من تل أبيض التي تشكل منبع نهر البليخ، وبحيرة الأسد الضخمة التي تشكلت خلف سد الفرات المنجز سنة 1973، بمساحة تقارب من (630كم2).
ثانياً: وقد اكتسبت محافظة دير الزور أهميتها السياحية من حاضرتها الحالية مدينة دير الزور عروس الفرات، ولما تتضمنه أراضيها من مدن وقرى أثرية وقلاع هامة في التاريخ البشري قامت على جانبي الفرات ورافده الخابور. ومن تلك المدن، نذكر:
1- مدينة ماري؛ التي تم اكتشافها ضمن تل الحريري الواقع إلى الغرب من مدينة أبو كمال بنحو (10كم) على الضفة اليمنى من نهر الفرات. وهي مدينة أثرية تعود بتاريخها إلى منتصف الألف الرابعة قبل الميلاد، ولتعيش أوج ازدهارها في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، بما كشفت التنقيبات الأثرية فيها من آثار تعود إلى تلك الفترة، ممثلة في: القصر الملكي الكبير (قصر زمري ليم ملك ماري في الألف الثاني قبل الميلاد)، ومعبدي عشتار ونيني زازا، ومعبد داغان، والزقورة، وآلاف اللوحات (الرقم) المكتوبة باللغة المسمارية، وأعداد كبيرة من التماثيل الموجود بعضها في متحفي دمشق وحلب، وفي متحف دير الزور.
وعلى الجانب الأيسر من وادي الفرات مقابلة البوكمال، تنتصب ثلاثة أبراج فوق جبل الباغوز، ما تزال أدراج أحدهما سليمة، ولربما من بقايا قلعة أو حصناً تابعاً
لماري.
2- مدينة دورا أوربوس (الصالحية)؛ مدينة أشادها سلوقس نيكاتور (300 ق.م تقريباً) بشكل رقعة الشطرنج. والمدينة محاطة بسور خارجي مدعم بآخر داخلي. وفي طرفها الشمالي الشرقي بنيت قلعة حصينة. ولها ثلاثة أبواب، أشهرها الباب الغربي (باب تدمر). وما تزال ماثلة بداخلها بقايا منشآت عمرانية قديمة. دمرها الفرس عام (256م). وعرفت بالصالحية نسبة إلى صلاح الدين الأيوبي الذي أقام فيها فترة. وتقع المدينة، على الجانب الأيمن من وادي الفرات ببعد عن دير الزور نحو (83كم).
3- مدينة ترقا: مدينة قديمة اكتشفت في تل العشارة على الضفة اليمنى من الفرات إلى الجنوب الشرقي من دير الزور بنحو (60 كم). وهي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد (العهد الآشوري). وقد أصبحت مملكة باسم (خانة) في عهد الملك البابلي حمورابي. عثر فيها على العديد من المكتشفات الأثرية الهامة، منها؛ تمثال للملك الآشوري توكولتي نينورتا الثاني (888-884ق.م) موجود في متحف حلب.. وغيره من المكتشفات.
4- قلعة رحبة بن مالك: وهي قلعة تقع غربي الميادين بنحو (5ر1 كم)، قائمة فوق تل مرتفع مفصول عن البادية بوادي عميق نسبياً. وعرفت بهذا الاسم نسبة إلى مالك بن طوق التغلبي الذي رممها وجدد ماهو متداع منها عندما تولى الجزيرة الفراتية في القرن التاسع الميلادي.
5- بقرص: بلدة تاريخية عثر عليها في تل بقرص جنوب شرق دير الزور بنحو (36كم). تعود للفترة
(6400-5800 ق.م).
6- قرقيسياء: تقع عند ملتقى نهر الخابور بالفرات، حيث بلدة البصيرة الحالية، وتلها الأثري الشهير. وهي مدينة قديمة ازدهرت في العهد الروماني؛ حيث يعود سورها وأبراجها إلى عهد الإمبراطور الروماني ديكلوسيان المتوفي سنة (313م). وكانت تعرف باسم كركيسيوم في العهد الروماني، وعرفت بقرقيسياء في العهد الاسلامي.
7- مدينتا حلبية وزلبية: مدينتان أثريتان، تعودان إلى عهد ملكة تدمر زنوبيا، تقعان على جانبي الفرات متقابلتان مع بعض؛ إحداهما وهي حلبية تقع على الضفة اليمنى لنهر الفرات ما تزال معالمها واضحة بسورها وقلعتها ومنشآتها الداخلية، والأخرى وهي زلبية على الضفة اليسرى للفرات. وتبعدان عن دير الزور غرباً شمالاً غربا بنحو (50كم).
8- مدينة دوركاتليمو: مدينة أثرية آشورية، اكتشفت ضمن طيات تل الشيخ حمد الواقع شرقي نهر الخابور إلى الشمال الشرقي من بلدة الصور بنحو (18كم).
9- يضاف إلى ما تقدم مما له أهمية سياحية في محافظة دير الزور:
1ً- نهر الفرات بتعرجاتة (أكواعه) وجزره (حوائقه) وبحيراته الهلالية التي تمثل أكواع مهجورة في النهر، ومصاطبه الأربعة الظاهرة في بعض الأمكنة من واديه، مما له أهمية في السياحة العلمية.
2ً- مجموعة من السبخات مالحة المياه، بالقرب من الحدود العراقية، ممثلة في : سبخة شملان وسبخة البرغوتة وسبخة المقعط وسبخة البوارة وسبخة الروضة. وعدد من الفيضات عذبة المياه في البادية الشامية (فيضة الجب، فيضة ابن موينع، فيضة كباجب.. وغيرها).
3ً- المدن الحديثة؛ كمدينة دير الزور (430كم شمال شرق دمشق)، بمنشآتها السياحية الهامة، كما في: جسرها المعلق، ومقاهيها ومطاعمها المشهورة (الجراديق) وفنادقها. ومدينة الميادين، ومدينة البوكمال.
ثالثاً - أما في محافظة الحسكة فالمعالم السياحية أكثر تنوعاً، فهي تجمع بين التاريخ العريق والطبيعة المتنوعة.
1- فمن المعالم التاريخية والأثرية، نذكر:
1ً- مجموعة كبيرة من تلال المدن الأثرية الهامة، التي يتجاوز عددها عن (1500) تلاً أثرياً، يمثل كل تل تراكب قرى أو مدن عبر التاريخ، ومن أهم تلال المدن:
أ- تل حلف؛ الواقع غربي مدينة رأس العين عند الحدود التركية، ويمثل مدينة جوزان القديمة.
ب- تل براك؛ يقع إلى الشرق من الحسكة بنحو (49كم). ويضم في طياته طبقات سكنية تعود للفترة
(3200-1600ق.م).
ج- تل بري؛ الواقع شمال تل براك بنحو (10كم). ويضم في طياته مدينة كحاط الأشورية.
د- تل شاغاربازار؛ الواقع شمال الحسكة بنحو (38كم).
هـ- تل ليلان؛ جنوب بلدة القحطانية بنحو (12كم). يضم مدينة شوباط انليل التي تعود إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهي أحدث من مدينة تحتها أقدم عهداً.
و- تل خويرة؛ يقع غربي رأس العين بنحو (56كم). يضم مدينة قديمة العهد، يُعتقد أنها مدينة واشوغاني عاصمة الدولة الميتانية، تعود إلى الفترة (الألف الرابعة-منتصف الألف الثانية قبل الميلاد).
ز- تل عجاجة (تل عربان)؛ الواقع جنوب الحسكة بنحو (30كم). ويضم مدينة شاديكاني الآشورية.
ح- بالإضافة إلى تلال مدن أخرى؛ كما في تل عيلون (شرقي الدرباسية بنحو 5ر1 كم). وتل موزان (غربي القامشلي بنحو 20كم). وتل الشدادي (غربي بلدة الشدادي). وتل الفدغمي (على ضفة الخابور الشرقية جنوب شرقي الشدادي). وتل تينير (جنوب شرق الحسكة بنحو 4كم)… وغير ذلك من التلال الكثيرة.
2ً- بعض المنشآت المائية التاريخية؛ ممثلة في:
أ- مجموعة من القنوات المائية المشتقة من نهر الخابور، كما في: نهرا عبيان، ونهر تل الرمان، وقناة سويريط، وقناة شميساني، وقناة مرقدة. وعدد من السدود على الخابور؛ كسد سبع سكور، وسد الطف.
ب- الجسر الروماني القديم على نهر دجلة مقابل عين ديوار.
3ً- مدن تاريخية وحديثة هامة؛ ومنها:
أ- مدينة رأس العين: وهي مدينة قديمة، عرفت في العهد الارامي باسم (كابارا) وفي العهد الآشوري باسم (رازينا أورسين) وفي العهد الروماني باسم (تيود وسيوليوس). ثم سميت (رش عينو) بالسريانية، ولتحور إلى رأس العين. وفتحها المسلمون سنة (17هـ). وخربها تيمورلنك في القرن الرابع عشر الميلاد. وبقيت مهملة حتى مطلع القرن العشرين الميلادي ليعاد إعمارها وتطورها. وهي مدينة مشهورة بكثرة الينابيع حولها. وتقع شمال غرب الحسكة بنحو (62كم).
ب- القامشلي: مدينة حديثة الطراز، جميلة العمران، حسنة التخطيط. يعود اعمارها إلى منتصف العشرينات من القرن العشرين. وهي مدينة حدودية يفصلها عن مدينة نصيبين التركية خط الحدود. تضم العديد من المنشآت السياحية (فنادق ومطاعم ومتنزهات). وتبعد شمالاً عن الحسكة نحو (85 كم).
ج- الحسكة؛ مدينة حديثة النشأة، تعود إلى أوائل القرن العشرين. يخترقها نهر الخابور الذي يلتقي معه رافده جغجغ في طرفها الشرقي. وهي مركز محافظة الحسكة، وفيها كل ما يتطلبه السائح من: فنادق ومطاعم ومقاهي ومتنزهات وحدائق. وتبعد الحسكة عن دمشق شمالاً شرقاً نحو (595كم).
د- ومن المدن والبلدات الأخرى والتي تستحق الزيارة والتعرف عليها، نذكر: المالكية وعين ديوار، ومدينة رميلان العمالية والقحطانية وعامودا والدرباسية وتل تمر.
4ً- معالم سياحية طبيعية؛ ممثلة في الآتي:
أ- بحيرة الخاتونية؛ الواقعة شرقي الحسكة بنحو 50كم، عند المقدمة الغربية لجبل سنجار. يبلغ طولها نحو 4كم واتساعها نحو 5ر1 كم.
ب- ينابيع مائية متعددة؛ منها ينابيع رأس العين المشهورة العديدة، وبخاصة نبعها الكبريتي الهام. وكذلك نبع الهول إلى الغرب من بحيرة الخاتونية بعد (5كم).
ج- نهر الخابور وروافده العديدة.
د- نهر دجلة في أقصى شمال شرق سورية.

