تقعُ مدينة حلبَ على خطِّ الطُّولِ 37,09`,30`` درجة شرقِيَّ غرينيتش و وخطِّ العَرْضِ 36,12` درجة شَمـالاً، وترتفِع 379 متراً عن سطحِ البحرِ، وهي فِي الْجُزْءِ الشَّمالِيِّ من القُطْرِ العربِيِّ السُّوريِّ. تبلغُ مساحتُها 16142 كم2، وعددُ سُكّـَانِها 3,519,000 نسمةٍ تقريباً (مُحافظة حلب عام 1999 م)؛ وتوْقِيتُهـا يتقَدَّمُ توقيتَ غرينيتشْ بساعتيْنِ شِتاءً وثلاثِ ساعاتٍ صَيْفـاً، وفصولُها الأربعَةُ متمايزَةٌ تتراوحُ درجةُ الحرارةِ فيها بـينَ 3 مْ شتاءً و34 مْ صيفاً. وأهمُّ أنْهارِ الْمُحافظةِ هو نَهـرُ الفُراتِ (يبلغ طوله فِي سورية 680 كم)، الَّـذي يروي سُهولَ هذهِ الْمُحافظةِ بعْدَ أنْ تَمَّ إنشـاءُ سـدِّ الثَّـورةِ عليـهِ، وهي تلعبُ دوراً هاماًّ فِي إنتــاجِ الْمَحاصيلِ الزِّراعيَّةِ (القُـطنِ - القمحِ - الزَّيتونِ) إلاَّ أنَّهـا تتميَّزُ بشكلٍ خاصٍّ بزراعةِ الفُسْتُقِ الْحَلبِيِّ الشهـيرِ، والذي يُنْسَبُ إليها. كما تشتهرُ هذهِ الْمُحافظـةُ بصِناعـاتِها التَّقليديَّةِ الْمشهورةِ ومصانِعها الْحديثةِ أيْضاً، وتشهـدُ مدينةُ حلبَ فِي كُلِّ عامٍ تظاهُرتينِ هامَّتينِ هُمَا: سـوقُ الإنتاجِ الزِّراعِيِّ والصِّناعِيِّ فِي شهرِ آبَ /أغسطــس/ ومهرجانُ القُطنِ فِي شهرِ أيلُولَ /سبتمبر/وذلك بالإضافةِ إلَى العديدِ من التَّظاهراتِ الأخرى؛ وترتبطُ مدينةُ حلبَ بباقِي مدُنِ القُطْرِ بشبكةٍ من الطُّرُقِ الدَّوليَّـةِ، والْمُعَبَّدَةِ والخطوطِ الْحديديَّةِ كما يوجدُ فيها مطارٌ دولِيٌّ وتزْخَـرُ الْمُحافظةُ بالفنـادِق، وأماكِـنِ الْمبيتِ من مُختـلفِ الْمستوياتِ بدءاً من الفنادقِ الدَّوليَّةِ حتَّى فنادقِ الدرجةِ الثالثةِ بالإضافةِ إلَى الْمُخَيَّماتِ مُلبِّيةً بذلك كافَّةَ الأذْواقِ والْمُستوياتِ، ويوجـدُ بِها العديدُ من الْمطاعمِ من كافَّةِ المُسْتوياتِ أيْضاً والَّتي تقَدِّمُ أشهـى الأطباقِ الْمَحلِّيَّةِ الَّتي تشتهرُ بِها الْمنطقةُ إلَى جـانبِ الأطباقِ الأجنبيَّـةِ الَّتي تُرْضِي الزُّوارَ. * تاريخ حلب عبر العُصُور: تعتبرُ مُحافظةُ حلبَ من أقدمِ المنـاطقِ الَّتي اسْتَوْطَنَها الإنسانُ، وتُقَدِّمُ لنا آثارُ تَلِّ المُرَيْبِطِ، نموذجـاً لمستـوطنَةٍ زراعيَّةٍ تعودُ للألفِ التَّاسِعِ قبلَ الميلادِ. وقدْ عاصرتْ مملكةُ حلبَ دولةَ إيبلا والدَّولةَ الأكادِيَّةَ فِي الألفِ الثَّالثِ قبلَ الميلادِ، وقدْ توالتْ الحضــاراتُ المختلفةُ على هذهِ المنطقةِ (السُّومريَّةُ - العمُّوريَّةُ - الحِثِّيَّةُ - الآراميَّةُ - الكنعانيَّةُ - الفارسيَّةُ - المقـــدونيَّةُ - السَّلوقيَّةُ - الرُّومانيَّةُ - البيزنطِيَّةُ) تارِكةً بصماتِهـا فِي الآثارِ الْموجودةِ فِي العديدِ من مُدُنِها الْميِّتَةِ وتلالِهــا الأثريَّةِ الْمُتَوزِّعةِ فِي الْمُحافظَةِ. وفِي عامِ 637 م دخلَ الفتحُ العَربِيُّ الإسلامِيُّ إليها، تاركاً أيضاً مَجموعةً من الآثارِ الرَّائعـةِ، من أسوارٍ وأبراجٍ وقـلاعٍ، ومـدارسَ ومساجدَ. * اسم حلب في التَّاريخ: وردَ ذكرُ حلبَ فِي رُقُمِ مملكةِ إيبلا باسْمِ (حلم) كما وردَ اسمها (حلبا) فِي رُقُمِ ماري (1750 ق.م) عاصمةُ لِمملكةِ يَمْحاضَ، وقيلَ بأنَّ كلمةَ حلبَ تعني في اللُّغـةِ العمُّوريَّةِ معادنَ الْحديدِ والنُّحاسِ، أما فِي الآراميَّةِ فاسمُ حلبَ مُحَرَّفٌ من (حلبا) الَّتي تعنِي البياضَ نسبـةً إلَى بياضِ تُربتها وحجارتِها. المُهِم أن حلب الشَّهباء مدينةٌ عريقةٌ، تُلَقَّبُ بشيخةِ الْمُدُنِ وسنديانةِ التَّـاريخِ نظـراً لِقِدَمِها وعراقتها،وهي تبعُدُ عن دمشقَ 355 كم شَمالاً، وقد كانتْ حاضِـرةً مزدهِـرةً منذُ الألف الثَّالِثِ قبلَ الْميلاد، وبقيَتْ ذاتَ مكانةٍ هامَّةٍ وعُمْرانٍ وسُكَّانٍ على مَرِّ القُرُونِ، وتأتِي هذهِ الأهَميَّةُ من موقِعها الإستراتيجِـيِّ الَّذي جعلها تلعبُ دوراً هاماًّ متميِّزاً فِي تاريخِ الْمنطقـةِ منذُ الْممالكِ الأكاديَّةِ والعمُّوريَّةِ حتَّى العُصُورِ الْحديثةِ ، إذْ كانتْ مُلْتَقى الطُّرُق التِّجـاريَّة فِي العالم القـديم. * أهم مواقِعها الأثرِيَّة: تبلغُ مساحةُ مدينةِ حلبَ القديمةِ 4 كم2، ويقـعُ نصفها ضمنَ الأسوارِ، حيثُ يُحِيطُ بالمدينةِ القديمةِ سورٌ أثريُّ يعودُ إلَى العُهودِ الإسلاميَّةِ الأولَى ويَمتازُ بأبراجهِ الدِّفاعِيَّةِ، وأبوابهِ الكثيرةِ المُحصَّنةِ ولا يزالُ قسمٌ من هذا السُّورِ قائماً معَ عددٍ من الأبوابِ مثلَ: {بابِ قِنِّسْرينَ - بابِ النَّصرِ - بابِ الحديدِ - بابِ أنطاكيَّةَ …}. * متاحِـــــــــف حـلب: المتحفُ الوطَنِيُّ: وهو متحفٌ غنِيٌّ يضمُّ أقدمَ ماخلَّفهُ الإنسانُ من حضــاراتٍ فِي المنطقةِ بدءاً من العُصُورِ الحجريَّةِ حتَّى الوقتِ الْحاضِرِ، ويَحوي مقتنياتِ الآثارِ الْمكتشفـةِ فِي أهمِّ الْحواضِرِ السُّورِيَّةِ الْقديمةِ: ماري, أوغاريتْ, إيبلا, آثارِ حوضِ الفُراتِ وحَماةَ, تل حلف وغيرها. والْجديرُ بالذِّكرِ أنَّ هذا المتحفَ مقسَّمٌ إلَى خَمسةِ أجنحةٍ:جناحِ آثارِ ما قبل التَّاريخِ, جناحِ الآثارِ السُّورِيَّةِ القديمةِ, جنـاح الآثارِ السـوريَّةِ من العهـود اليونانيةِ والرومانيَّةِ والبيزنطِيَّةِ, جنـاح الآثارِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ, جناحِ الفنِّ الحديثِ. متحفُ التَّقاليدِ الشّعْبيَّةِ: وهو يقعُ في دار أجقباشَ الَّتي يعودُ بناؤها إلَى عامِ 1757 م وهي مُزدانةٌ بروائعِ الْمنحـوتاتِ والخشبِيَّاتِ والسُّقوفِ الَّتي اشتهرتْ بِها حلبَ، ويضمُّ أكثرَ من ألفِ قطعةٍ من النَّفائسِ الشَّعبيَّةِ الْحلبيَّةِ والَّتي يعودُ تاريخُها إلَى أكثر من ألفِ عامٍ. متحفُ تاريخِ العُلومِ عندَ العربِ: وقد أعدَّهُ معهدُ التُّراثِ العلمِيِّ العربِيِّ فِي جامعةِ حلبَ، ويضـمُّ مُعَـدَّاتٍ من صناعاتِ الغزلِ والنَّسيجِ والزُّجاجِ والأصبـاغِ، ونُظُمِ الرِيِّ، وآلاتٍ لرفعِ الْمِياهِ، لعلماء عرب سـابقين، وأدواتٍ طبِّيَّـةٍ وصيـدلانيَّةٍ، ونَماذجَ من الألبسةِ الْحلبيَّةِ والصُّورِ والْمُخَطَّطاتِ وبـه مكتبةٌ تضمُّ عدداً ضخماً من الكتب والْمخطوطــات القديمةِ. * قلعــــة حـــلب: وهي من أكبَرِ قلاعِ العالَمِ التي تنتصبُ داخلَ مدينة، ولَمْ يسْتطِعْ فاتِحٌ فِي التَّاريخِ أن يَحتلَّها حرباً لِمناعتهـا وقوة تَحصينها ودقة هندستها العسكرية، وهي من أقدمِ قلاعِ العالَمِ ومن أجْملِ وأضخمِ عماراتِ حلبَ الأثريَّةِ، تنتصبُ وسطَ الْمدينةِ القديمةِ، على هضبةٍ يزيدُ ارتفاعها عن 40 متراً؛ وفيها آثارٌ تُشِـيرُ إلَى الْحضاراتِ الَّـتي تعاقبتْ على حلبَ منذُ خَمسةِ آلافِ عامٍ، وكانتْ فِـي باديءِ الأمرِ مركزاً للعبادةِ، وأوَّلُ من اسْتَخْدَمَها للدِّفاعِ، هو سلوقِسْ نيكـاتورْ عامَ 312 ق م. وقدْ دخلهــا الْمُسلمونَ صُلْحاً وتَجدَّدَ بناؤُها عِدَّةَ مرَّاتٍ أمَّا شكلُهـا الحالِيُّ فيعودُ إلَى القرنِ 13 م، فِي فترةِ حكمِ الظاهـرِ غازي الأيُّوبِيِّ معَ إضافاتٍ في الفترةِ الْمملوكيَّةِ، وتعتـبرُ واحدةً من أهمِّ الصُّروحِ العربيةِ الإسلاميَّةِ العسكريةِ من حيثُ طرازِها الْمعماريّ الفريدِ الَّذي يَجمعُ بينَ الصَّرامةِ والْجمالِ، وهي تضمُّ أبراجاً رائعةَ التَّصْميمِ، كما تَمتـازُ بِمداخِلها الْمُتقَنَةِ وأبوابِها الْمصنوعةِ من الْحديدِ، ويُحيطُ بِها خندقٌ عميقٌ يزيدُ من منعتِها، وقدْ أُقيمَ داخلَ القلعةِ متحفٌ صغيرٌ، يضمُّ الآثارَ واللُّقى الَّتي عُثِرَ عليها داخـلَ القلعةِ أثناءَ الْحفريَّاتِ والتَّرميمِ. * الجامعُ الأمويُّ الكبير: من أكبَر جوامع الْمدينةِ الَّتي تَحوي ما يُقاربُ ألفَ جامع ومسجد تُمَثِّلُ 14 قرناً؛ وقدْ بُنِيَ هذا الجامع فِي عهد الخليفة الأُموِي سُلَيْمَـان بن عبد الملكِ، ويتمـيَّزُ بِمنارتِهِ الْجميلةِ والْمربَّعةِ الشَّكل، الَّتي يصلُ ارتِفاعُهـا إلَى 46 متراً تقريباً، وعليها كتاباتٌ بالْخطَّيْن الكوفِيِّ الْمُوَرَّق والثُلثِيِّ الْمُزَخْرَف وضلعُ الْمئذنةِ 4,95 متراً، ومِنْبَرِه الرَّائع الْمصْنوع من خشب الأبنـوس، والمُطَعَّم بالعاج، ومِحرابِهِ الْمصنوعِ من الْحجر الأصفر والْمُزَيَّن بالْمُقَرْنَصاتِ، وأرْوِقَتِهِ المُتَناظِرةِ المُتناسِقَةِ. *الأسواق والخانات التِّجارِيَّة: تأتِي أسواقُ حلبَ القديمةِ الْمُغَطَّاةِ والَّتي تَمتدُّ أكثَرَ من عشرةِ كيلومتراتٍ (حوالَيْ 12 كم) تأتِي في طليعةِ أسواقِ الْمُدنِ العربيَّةِ والإسلاميَّةِ، من حيثُ جَمالِها واحتِفاظهـا بطابعها الأصلِيِّ، ويعودُ أكثرها إلى القرنين الخامس عشر والسَّادِس عشر وتعتبرُ بِحَق متاحفُ شعبيَّة حيـَّة. أماَّ الخاناتُ فيقعُ أكثرُها في منطقةِ الأسواقِ باعتبارِها كانتْ مُخَصَّصَـةً لإقامة المسافرين من التُّجَّارِ، وتشتهرُ هذهَ الخاناتُ بواجِهاتِها المُزيَّنة بالزَّخارفِ ومداخلها ذات الأقواس العاليةِ وأبوابِهـا الخشبيَّةِ الْمُصَفَّحةِ بالْحـديد، والنًّحاس، وأشهر هذهِ الْخانات: خانُ الجمرُكِ /خانُ الوزيرِ/خانُ البنادِقَة/خانُ الشُّونَـةِ/ خانُ النًحَّاسين/خانُ العُلبية/خانُ الجاكي/خانُ الصابونِ. * الحمَّامات الأثريَّة: تشتهرُ مدينةُ حلبَ بِحمَّاماتِها الأثريَّةِ الَّتي يزيدُ عدَدُها عن السِّتِّينَ حَمَّاماً، بعضُها مبنِيٌّ منذُ أكثر من 800 سنةٍ ومن أجْمَلِها: حَمَّـامُ النَّحَّاسِينَ، وحَمَّـامُ البابِ الأحْمَرِ وحَمَّامُ يلْبُغا النَّاصِرِيِّ، الَّذِي بُنِـيَ فِي القرنِ الرَّابعِ عشرَ، وقدْ قامتْ وزارةُ السِّياحةِ بترميمِـهِ وتَمَّ افْتِتاحُهُ وتوظيفهُ سياحِيّاً. * آثار هامَّة أُخْرَى: يوجدُ في مدينةِ حلبَ العديدُ من المدارس العلميَّةِ وأهَمُّها: مدرسةُ الفردوسِ / والظَّاهريَّـةِ / والكامليَّةِ / والأحْمَديَّةِ / والشَّاذْبَخْتِيَّة، كما يوجدُ بِها البيمارستانَ الأرغـونِيَّ الَّذي يعتبرُ مِثـالاً رائعاً للعِمارة الإسلاميَّة، وقدْ بُنِي في القرنِ الرَّابعِ عشَـرَ، حيثُ تُقَامُ فيهِ حالِيّاً حفلاتُ رقصٍ شعبيٍّ وفلكلوري للأفواج السِّياحِيَّة، أما الدُّور العربيَّة الأثريَّة فهي كثيرة ومن أبرزها: قصرُجنبلاطَ & دارُ وكيل & دارُغزالةٍ & دارأجقباشَ & دارُ الكواكبِيِّ & بيتُ رجب باشا، وهي تُمَثِّلُ الإزدهارَ التِّجاريَّ الكبِيرَ الَّذي عَرَفَتْهُ حلبُ على مــرِّ العُصورِ. كما تَمتازُمدينةُ حلبَ بالمُنشآتِ الدَّينيَّة كالْجوامـعِ والكنائس والمقاماتِ، وتعتبرُ ثالثةَ المدنِ العربيَّةِ في العالمِ الإسلاميِّ من حيثُ: عددِ مسـاجدها، وجـوامعها، ومدارسها؛ وأهمُّها: جامعُ التُّوته، جامعُ الْمَهْمَنْدَار، جامع الأطروشِ، كنيسة الأربعينَ شهيداً، كنيسةُ السَّيِّدة العَذْراء، كاتدرائيَّة مـار إلياس.

